ابن قيم الجوزية
41
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
فالشيء ليس لنفسه ينفى لدى * عقل سليم يا ذوي العرفان الشرح : فأنت إذا تأملت الوجود كله سماواته وأرضه ، ونظرت فيما اشتمل عليه من عجائب الخلق وأحكام الصنع ولطيف التدبير وكيف ربط اللّه بين أجزائه حتى غدت منسجمة متناغمة . وصار الوجود كله كأنه جسد واحد لرأيته ( إن لم تكن ممن أعمى اللّه أبصارهم ) خير شاهد بثبوت الصفات للّه تعالى ، فإنه أثر لها دليل عليها إذ المفعولات دالة على الأفعال والأفعال دالة على الصفات ، فإن المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة . ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل ، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته ، وما فيها من البطش والعقوبة والانتقام دال على غضبه . وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته إلخ . وكذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام قد شهدوا لربهم بثبوت صفات الكمال له وأثنوا عليه بها ، كما نطق بذلك محكم القرآن . وكذلك شهدت له به الفطرة المستقيمة التي لم تفسدها العوامل الخارجية من تلقين الأبوين أو تأثير البيئة أو نحو ذلك ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه » كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ، وكذلك شهدت له به العقول المستنيرة التي انتفعت بما ألقى اللّه فيها من آيات الهدى ولم تزغ بتأثير الأهواء والأوهام المزلة . أفتظنون أنا تاركو هذه الشهادات كلها وهي أقوم الشهادات وأعدلها من أجل شهادة جهمي مأفون لا يرجع في شهادته إلى صريح عقل ولا إلى صحيح